أبي هلال العسكري
177
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وقوله تعالى : وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وإنما ذكر الساكن ولم يذكر المتحرّك ؛ لأنّ سكون الأجسام الثقيلة مثل الأرض والسماء في الهواء من غير علاقة ودعامة أعجب وأدلّ على قدرة مسكنها . وقوله عز وجل : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها ؛ لأنّ في العفو صلة القاطعين ، والصفح عن الظالمين ، وإعطاء المانعين ، وفي الأمر بالعرف تقوى اللّه وصلة الرّحم ، وصون اللسان عن الكذب ، وغضّ الطّرف عن الحرمات ، والتبرّؤ من كل قبيح ؛ لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر ؛ وفي الإعراض عن الجاهلين الصّبر والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما يوتغ « 1 » الدين ويسقط القدرة . وقوله تعالى : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ؛ فدلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للناس ، من العشب والشجر والحطب واللباس والنّار والملح والماء ؛ لأنّ النار من العيدان ، والملح من الماء ، والشاهد على أنّه أراد ذلك كلّه قوله تعالى : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ . وقوله تعالى : يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ، فانظر هل يمكن أحدا من أصناف المتكلمين إيراد هذه المعاني في مثل هذا القدر من الألفاظ . وقوله عزّ وجلّ : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ جمع الأشياء كلها حتى لا يشذّ منها شيء على وجه . وقوله تعالى : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ جمع فيه من نعم الجنة ما لا تحصره الأفهام ، ولا تبلغه الأوهام .
--> ( 1 ) الوتغ ، بالتحريك : الهلاك ، والإثم ، وفساد الدين . ( 12 - الصناعتين )